العودة   منتديات مزيكا تو داى > المنتديات العامة > تاريخ الدول و الآثار > الشخصيات التاريخية

 

 

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 26-11-2009, 04:46 AM   #1 (permalink)
عضو مزيكاوي
 
الصورة الرمزية اعز الناس وبس
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: فى الركن البعيد الهادى
العمر: 23
المشاركات: 2,267
افتراضي جمــــال حمدان شخصيـــة مصــر

 

بسم الله الرحمن الرحيم
[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG][IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG][IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]العبــــــقرى .. !
[IMG]http://i46.*******.com/2euh45h.jpg[/IMG]


(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
(المجادلة: من الآية11) ....... صدق الله العظيم

[IMG]http://i33.*******.com/kyf0l.jpg[/IMG]
[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] أمامك ترقد مصر القديمة بلا تخبط ! [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]
وإنما محفوظة في بلسم الشمس وغرائز السكان المحافظة "
[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] جمال حمدان [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]
[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] عبقرية المكان [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

[IMG]http://i47.*******.com/dq6d0k.jpg[/IMG]

بينما أنا أتحدث مع أحد العلماء البارزين المهتمين بدراسة مصر وتتبع دورها الحضاري والتاريخي إذ طلبت منه أن يدلني على كتاب يتناول مصر بشكل علمي بعيدًا عن التهويل أو التقليل فأرشدني إلى كتاب بعنوان (شخصية مصر) للدكتور جمال حمدان.. وكانت هذه هي بدايتي مع هذه الشخصية المتفردة في الحياة المصرية المعاصرة إنها شخصية العالِم الدكتور جمال حمدان.. فأردت أن أضع اسمه في لوحة الشرف في هذا المنتدى.. وأسطر كلمات متواضعة عنه.

"جمال محمود صالح حمدان" أحد أعلام الجغرافيا في القرن العشرين، ولد في قرية "ناي" بمحافظة القليوبية بمصر في 12 شعبان 1346هـ ،4 فبراير سنة 1928م، ونشأ في أسرة كريمة طيبة تنحدر من قبيلة "بني حمدان" العربية التي نزحت إلى مصر في أثناء الفتح الإسلامي.

كان والده أزهريا مدرّسًا للغة العربية في مدرسة شبرا التي التحق بها ولده جمال، وحصل منها على الشهادة الابتدائية عام 1358هـ ـ 1939م، وقد اهتم الأب بتحفيظ أبنائه السبعة القرآن الكريم، وتجويده وتلاوته على يديه؛ مما كان له أثر بالغ على شخصية جمال حمدان، وعلى امتلاكه نواصي اللغة العربية؛ مما غلّب على كتاباته الأسلوب الأدبي المبدع.

وبعد الابتدائية التحق جمال حمدان بالمدرسة "التوفيقية الثانوية"، وحصل على شهادة الثقافة عام 1362هـ ـ 1943م، ثم حصل على التوجيهية الثانوية عام 1363هـ ـ 1944م، وكان ترتيبه السادس على القطر المصري، ثم التحق بكلية الآداب قسم الجغرافيا، وكان طالبا متفوقا ومتميزا خلال مرحلة الدراسة في الجامعة، حيث كان منكبا على البحث والدراسة، متفرغا للعلم والتحصيل.

وفي عام 1367هـ ـ 1948م تخرج في كليته، وتم تعيينه معيدا بها، ثم أوفدته الجامعة في بعثة إلى بريطانيا سنة 1368هـ ـ 1949م، حصل خلالها على الدكتوراه في فلسفة الجغرافيا من جامعة "ريدنج" عام 1372 هـ ـ 1953م، وكان موضوع رسالته
" سكان وسط الدلتا قديما وحديثا " ولم تترجم رسالته تلك حتى وفاته.

وبعد عودته من بعثته انضم إلى هيئة التدريس بقسم الجغرافيا في كلية الآداب جامعة القاهرة، ثم رُقّي أستاذا مساعدا، وأصدر في فترة تواجده بالجامعة كتبه الثلاثة الأولى وهي: "جغرافيا المدن"، و"المظاهر الجغرافية لمجموعة مدينة الخرطوم" (المدينة المثلثة)، و"دراسات عن العالم العربي" وقد حصل بهذه الكتب على جائزة الدولة التشجيعية سنة 1379هـ ـ 1959م، ولفتت إليه أنظار الحركة الثقافية عامة، وفي الوقت نفسه أكسبته غيرة بعض زملائه وأساتذته داخل الجامعة.

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] تقديم إستقالته [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

وفي عام 1383هـ ـ 1963م تقدّم باستقالته من الجامعة؛ احتجاجا على تخطيه في الترقية إلى وظيفة أستاذ، وتفرغ للبحث والتأليف حتى وفاته، وكانت فترة التفرغ هذه هي البوتقة التي أفرزت التفاعلات العلمية والفكرية والنفسية لجمال حمدان.

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] علاقة الجغرافيا بالحياة [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

ويعد جمال حمدان ذا أسلوب متميز داخل حركة الثقافة العربية المعاصرة في الفكر الإستراتيجي، يقوم على منهج شامل معلوماتي وتجريبي وتاريخي من ناحية، وعلى مدى مكتشفات علوم: الجغرافيا والتاريخ والسكان والاقتصاد والسياسة والبيئة والتخطيط والاجتماع السكاني والثقافي بشكل خاص من ناحية أخرى.

ولا يرى جمال حمدان في علم الجغرافيا ذلك العلم الوضعي الذي يقف على حدود الموقع والتضاريس، وإنما هو علم يمزج بين تلك العلوم المختلفة؛ فالجغرافيا هي "تلك التي إذا عرفتها عرفت كل شيء عن نمط الحياة في هذا المكان أو ذاك.. جغرافية الحياة التي إن بدأت من أعلى آفاق الفكر الجغرافي في التاريخ والسياسة فإنها لا تستنكف عن أن تنفذ أو تنزل إلى أدق دقائق حياة الناس العادية في الإقليم".


وإذا كانت الجغرافيا -كما يقول في تقديمه لكتاب "شخصية مصر" في الاتجاه السائد بين المدارس المعاصرة- هي علم "التباين الأرضي"، أي التعرف على الاختلافات الرئيسية بين أجزاء الأرض على مختلف المستويات؛ فمن الطبيعي أن تكون قمة الجغرافيا هي التعرف على "شخصيات الأقاليم"، والشخصية الإقليمية شيء أكبر من مجرد المحصلة الرياضية لخصائص وتوزيعات الإقليم، إنها تتساءل أساسا عما يعطي منطقة تفرّدها وتميزها بين سائر المناطق، كما تريد أن تنفذ إلى روح المكان لتستشف عبقريته الذاتية التي تحدد شخصيته الكامنة.. ولئن بدا أن هذا يجعل للجغرافيا نهجا فلسفيا متنافرا يتأرجح بين علم وفن وفلسفة؛ فيمكن أن نضيف للتوضيح: علم بمادتها، وفن بمعالجتها، وفلسفة بنظراتها.. والواقع أن هذا المنهج المثلث يعني ببساطة أنه ينقلنا بالجغرافيا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التفكير، من جغرافية الحقائق المرصوصة إلى جغرافية الأفكار الرفيعة.

وكانت رؤية جمال حمدان للعلاقة بين الإنسان والطبيعة في المكان والزمان متوازنة، فلا ينحاز إلى طرف على حساب الآخر، ويظهر ذلك واضحا في كتابه المشار إليه آنفا، والذي تبرز فيه نظرته الجغرافية المتوازنة للعلاقة بين الإنسان المصري والطبيعة بصفة عامة والنيل بصفة خاصة، وكيف أفضت هذه العلاقة إلى صياغة الحضارة المصرية على الوجهين: المادي والروحي.
[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] فضحه أكاذيب اليهود [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

[IMG]http://i47.*******.com/xt8c3.jpg[/IMG]

كان جمال حمدان صاحب السبق في فضح أكذوبة ان اليهود الحاليين هم أحفاد بني إسرائيل الذين خرجوا من فلسطين خلال حقب ما قبل الميلاد، واثبت في كتابه "اليهود أنثروبولوجيًا" الصادر في عام 1967 ، بالأدلة العملية أن اليهود المعاصرين الذين يدعون أنهم ينتمون إلى فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمي هؤلاء إلى إمبراطورية "الخزر التترية" التي قامت بين "بحر قزوين" و"البحر الأسود"، واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي ، وهو ما أكده بعد ذلك بعشر سنوات "آرثر كويستلر" مؤلف كتاب "القبيلة الثالثة عشرة" الذي صدر عام 1976.

يعد جمال حمدان واحدا من ثلة محدودة للغاية من المثقفين المسلمين الذين نجحوا في حل المعادلة الصعبة المتمثلة في توظيف أبحاثهم ودراساتهم من اجل خدمة قضايا الأمة ، حيث خاض من خلال رؤية استراتيجية واضحة المعالم معركة شرسة لتفنيد الأسس الواهية التي قام عليها المشروع الصهيوني في فلسطين.

إذا كان الباحث المصري الدكتور عبد الوهاب المسيري قد نجح من خلال جهد علمي ضخم في تفكيك الأسس الفكرية للصهيونية ، فإن جمال حمدان كان سباقا في هدم المقولات الإنثروبولوجية التي تعد أهم أسس المشروع الصهيوني ، حيث أثبت ان إسرائيل - كدولة - ظاهرة استعمارية صرفة، قامت على اغتصاب غزاة أجانب لأرض لا علاقة لهم بها دينياً أو تاريخياً أو جنسياً، مشيرا إلى ان هناك "يهوديين" في التاريخ، قدامى ومحدثين ، ليس بينهما أي صلة أنثروبولوجية، ذلك أن يهود "فلسطين التوراة " تعرضوا بعد الخروج لظاهرتين أساسيتين طوال 20 قرناً من الشتات في المهجر: خروج أعداد ضخمة منهم بالتحول إلى غير اليهودية، ودخول أفواج لا تقل ضخامة في اليهودية من كل أجناس المهجر، وأقترن هذا بتزاوج واختلاط دموي بعيد المدى، انتهى بالجسم الأساسي من اليهود المحدثين إلى أن يكونوا شيئاً مختلفاً كلية عن اليهود القدامى.

في وقت كان الصهاينة يروجون لأنفسهم كأصحاب مشروع حضاري ديمقراطي وسط محيط عربي إسلامي متخلف، لم تخدع تلك القشرة الديمقراطية الصهيونية المضللة عقلية لامعة كجمال حمدان، كما انه لم يستلم للأصوات العربية الزاعقة التي لا تجيد سوى الصراخ والعويل، واستطاع من خلال أدواته البحثية المحكمة ان يفضح حقيقة إسرائيل، مؤكدا " أن اليهودية ليست ولا يمكن أن تكون قومية بأي مفهوم سياسي سليم كما يعرف كل عالم سياسي، ورغم أن اليهود ليسوا عنصراً جنسياً في أي معنى، بل "متحف " حي لكل أخلاط الأجناس في العالم كما يدرك كل أنثروبولوجي ، فإن فرضهم لأنفسهم كأمة مزعومة مدعية في دولة مصطنعة مقتطعة يجعل منهم ومن الصهيونية حركة عنصرية أساساً ".

على الرغم من ان البعض استغرب مطالبة رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون الفلسطينيين الاعتراف بـ "إسرائيل كدولة يهودية "، وهو الأمر الذي روج له الرئيس الأمريكي جورج بوش في قمة العقبة، فان جمال حمدان كشف قبل نحو ثلث قرن تلك الحقيقة الطائفية البحتة للمشروع الصهيوني، ووصف في كتابه " استراتيجية الاستعمار والتحرير " إسرائيل بأنها " دولة دينية صرفة ، تقوم على تجميع اليهود، واليهود فقط، في جيتو سياسي واحد، ومن ثم فأساسها التعصب الديني ابتداء، وهي بذلك تمثل شذوذاً رجعياً في الفلسفة السياسية للقرن العشرين، وتعيد إلى الحياة حفريات العصور الوسطى بل القديمة ".

أدرك حمدان مبكرا من خلال تحليل متعمق للظروف التي أحاطت بقيام المشروع الصهيوني ان " الأمن " يمثل المشكلة المحورية لهذا الكيان اللقيط، واعتبر ان وجود إسرائيل رهن بالقوة العسكرية وبكونها ترسانة وقاعدة وثكنة مسلحة، مشيرا إلى أنها قامت ولن تبقى -وهذا تدركه جيداً- إلا بالدم والحديد والنار. ولذا فهي دولة عسكرية في صميم تنظيمها وحياتها، ولذا أصبح جيشها هو سكانها وسكانها هم جيشها.

حدد جمال حمدان الوظيفة التي من أجلها أوجد الاستعمار العالمي هذا الكيان اللقيط ، بالاشتراك مع الصهيونية العالمية، وهي ان تصبح قاعدة متكاملة آمنة عسكرياً، ورأس جسر ثابت استراتيجياً، ووكيل عام اقتصادياً، أو عميل خاص احتكارياً، وهي في كل أولئك تمثل فاصلاً أرضياً يمزق اتصال المنطقة العربية ويخرب تجانسها ويمنع وحدتها وإسفنجة غير قابلة للتشبع تمتص كل طاقاتها ونزيفاً مزمناً في مواردها ".

إذا ما قلبنا في صفحات كتاب "جمال حمدان .. صفحات من أوراقه الخاصة"، نجد حالة نادرة من نفاذ البصيرة والقدرة الاستراتيجية على المستقبل ، ففي الوقت الذي رأى البعض في إقرار قمة بروكسيل (13، 14 ديسمبر 2003) تشكيل قوة عسكرية أوروبية منفصلة عن حلف الأطلسى بداية لانهيار التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، نجد ان جمال حمدان قد تنبأ بهذا الانفصال منذ نحو 15 عاما ، مشيرا إلى انه " بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وزواله، بدأ البحث عن عدو جديد، قيل‏:‏ إنه الإسلام، نؤكد أن الإسلام خارج المعركة والحلبة، هو فقط كبش فداء مؤقت، أما العدو الحقيقي الفعال فسيظهر من بين صفوف المعسكر المنتصر بالغرب، وسيكون الصراع الرهيب بين أمريكا وأوربا الغربية أو اليابان ". ويضيف في موضع آخر من الكتاب " ‏" ‏لقد بدأت الحـرب البـاردة بالفعل بين شـاطئ الأطلسي، بين أوروبا وأمريكا، لقد انتقلت الحرب الباردة من الشرق - الغرب، أو الشيوعية- الرأسمالية، إلى داخل الغرب نفسه، وداخل الرأسماليين القدامى خاصة بين فرنسا وألمانيا في جبهة، بريطانيا وأمريكا في الجبهة المضادة.

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] رؤيته المستقبلية الإستراتيجية [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

[IMG]http://i48.*******.com/2v33fh1.jpg[/IMG]

هذه القدرة على استشراف المستقبل تبدو واضحة أيضا ، في توقع جمال حمدان لسعي الغرب لخلق صراع مزعوم بين الحضارات من أجل حشد أكبر عدد من الحلفاء ضد العالم الإسلامي، حيث أكد انه " ‏بعد سقوط الشيوعية وزوال الاتحاد السوفيتي، أصبح العالم الإسلامي هو المرشح الجديد كعدو الغرب الجديد‏.‏ وإلى هنا لا جديد‏.‏ الجديد هو أن الغرب سوف يستدرج خلفاء الإلحاد والشيوعية إلى صفه ليكوّن جبهة مشتركة ضد العالم الإسلامي والإسلام، باعتبارهم العدو المشترك للاثنين، بل لن يجد الغرب مشقة في هذا، ولن يحتاج الأمر إلى استدراج‏:‏ سيأتي الشرق الشيوعي القديم ليلقي بنفسه في معسكر الغرب الموحد ضد الإسلام والعالم الإسلامي‏"، وهو ما تحقق بالفعل، حيث وضع صموئيل هنتنجتون Samuel Huntingtonفي كتابه " صدام الحضارات " الخطوط الفكرية العريضة لهذا الحلف ، فيما يخوض المحافظون الجدد في البيت الأبيض غمار معاركه الفعلية، في إطار ما بات يعرف بالحرب على الإرهاب، والتي لا تخرج عن كونها ستارا لحرب شاملة على الإسلام.

من الرؤى المستقبلية التي طرحها جمال حمدان، وتبدو في طريقها إلى التحقق ، تلك النبوءة الخاصة بانهيار الولايات المتحدة، حيث كتب حمدان في بداية التسعينيات يقول: "‏أصبح من الواضح تمامًا أن العالم كله وأمريكا يتـبادلان الحقد والكراهيـة علنًا، والعالم الذي لا يخفي كـرهه لها ينتظر بفارغ الصبر لحظة الشماتة العظمى فيها حين تسقط وتتدحرج، وعندئذ ستتصرف أمريكـا ضد العالم كالحيوان الكاسر الجريح ‏"‏ ، ومضى مضيفا" ‏"‏لقد صار بين أمريكا والعالم ‏"‏تار بايت‏"‏ أمريكا الآن في حـالة ‏"‏سعار قوة‏"‏ سعار سياسي مجنون، شبه جنون القوة، وجنون العظمة، وقد تسجل مزيدًا من الانتصارات العسكرية، في مناطق مختلفة من العالم عبر السنوات القادمة، ولكن هذا السعار سيكون مقتلها في النهاية‏ " .

يلفت حمدان إلى ان "‏ الولايات المتحدة تصارع الآن للبقاء على القمة، ولكن الانحدار لأقدامها سارٍ وصارمٍ والانكشاف العام تم، الانزلاق النهائي قريب جدًا في انتظار أي ضربة من المنافسين الجدد ـ أوروبا، ألمانيا، اليابان‏"‏‏ . وتوقع " أن ما كان يقال عن ألمانيا واليابان استراتيجيًا سيقال عن أمريكا قريبًا، ولكن بالمعكوس، فألمانيا واليابان عملاق اقتصادي وقزم سياسي - كما قيل - بينما تتحول أمريكا تدريجيًا إلى عملاق سياسي وقزم اقتصادي‏"‏‏ وتلك الرؤية تبدو في طريقها إلى التحقق - ولو ببطء - وتدل على ذلك الآلاف من حالات الإفلاس والركود الذي يعاني من الاقتصاد الأمريكي ، مقابل نمو اقتصادي متسارع للاتحاد الأوروبي واليابان، ولم تكن مفاجأة ان العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" حققت معدلات قياسية مقابل الدولار الأمريكي في فترة وجيزة .

من الإستشراقات المهمة التي تضمنتها أوراق جمال حمدان، تلك المتعلقة ‏بعودة الإسلام ليقود من جديد، حيث يقول ‏"‏يبدو لي أن عودة الإسلام أصبحت حقيقة واقعة في أكثر من مكان ، عودة الإسلام حقيقة ودالة جدًا تحت ناظرينا‏"‏ ، ويلفت إلى انه " في الوقت نفسه يبدو أن ديناميات الإسلام تختلف تمامًا،‏ فقديمًا كان الإسلام يتقلص في تراجع نحو الجنوب في جبهته الأوربية وجنوب جبـهته الإفريقية، الآن هناك عودة الإسلام في أوروبا خاصة في طرفيها أسبانيا وآسيا الوسطى، إضافة إلى هجرة المسلمين إلى قلب أوروبا‏"‏‏.‏ وحتى فيما يتعلق بنظرة جمال حمدان إلى علم الجغرافيا، الذي منحه عمره كله الا قليلا، نجد انه شكل بمفرده مدرسة راقية في التفكير الاستراتيجي المنظم ، مزج فيها بطريقة غير مسبوقة ما بين علم الجغرافيا، الذي لا يتعدى مفهومه لدى البعض نطاق الموقع والتضاريس، وعلوم التاريخ والاقتصاد والسياسة، ليخرج لنا مكونا جديدا اسماه " جغرافيا الحياة ". وأوضح حمدان في مقدمة كتابه الموسوعي " شخصية مصر " ، المقصود بتلك الجغرافيا موضحا أنها: "علم بمادتها، وفن بمعالجتها، وفلسفة بنظراتها.. وهذا الرؤية ثلاثية الأبعاد في التعاطي مع الظاهرة الجغرافية تنقل عالم الجغرافيا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التفكير، ومن جغرافية الحقائق المرصوصة إلى جغرافية الأفكار الرفيعة.

ومن المؤسف بعد ذلك كله، ان جمال حمدان عاني من تجاهل ونسيان لأكثر من ثلاثين عاما قضاها منزويا في شقته الضيقة ، ينقب ويحلل ويعيد تركيب الوقائع والبديهيات، وعندما مات بشكل ماسأوي، خرج من يتحدث عن قدرة خارقة لحمدان على التفرغ للبحث والتأليف بعيدا عن مغريات الحياة، كما لو كان هذا الانزواء قرارا اختياريا وليس عزلة فرضت عليه لمواقفه الوطنية الصلبة، وعدم قدرة المؤسسات الفكرية والمثقفين العرب على التعاطي مع أفكاره التي كانت سابقة لزمانها بسنوات.

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]
بلاغة حمــدان [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]
كان الدكتور جمال حمدان ( رحمة الله عليه ) جغرافيا بليغا ، يصيغ العبارات بفن وعمق رائعين ، حيث استخدم الأدب فى عباراته ، وابتكر كلمات جديدة أضافها إلى العربية مثل كلمة اللاندسكيب ، وغيرها ، فجعل من الجغرافيا مادة ممتعة ، وأظهر فلسفتها بشكل واضح فى جل أعماله العلمية
فها أنا أقتبس لكم من الفقرات التالية :
يقول الدكتور جمال حمدان فى موسوعته ( شخصية مصر ) واصفا موقع مصر الجغرافى : " الموقع رأسمال طبيعى وسياسى دفين ، ومورد أصيل من موارد الثروة القومية "

ويقول أيضا فى وصف الموقع
" ولئن كانت عبقرية موقع مصر ، وتفرد موضعها أعظم نعمتين أنعمهما عليها المنعم - جل وعلا - فقد صنعتا معا - خاصة عبقرية الموقع - كا أو جل تاريخ مصر القديم والوسيط والحديث بل والمستقبل أيضا ، فإن قوة جاذبية الموقع وعظمة الموضع كانتا المغناطيس الجاذب للطامعين من كل صوب وحدب ، فكانت مصر الدولة الأكثر احتلالا والمستعمرة الأكثف استعمارا على مر التاريخ "

ويقول واصفا قيمة برزج السويس ( قناة السويس حاليا )
" ولئن كان برزخ السويس قمة عبقرية موقع مصر جغرافيا ، فإنه كان نقمة مصر تاريخيا ، حيث صنع معظم تاريخها الاقتصادى والسياسى معا "
و يكتب عن قناة السويس
" فقد جاءت قناة السويس فى العصر الحديث أكبر عملية اختزال فى جغرافية الملاحة البحرية العالمية ، وأعادت توجيه القارات واختزلت قارة بأكملها ( افريقيا ) وأعادت توقيع مصر فى قلب العالم لتكون مركز الدنيا بأسرها ، وصارت شريان الملاحة البحرية العالمية بلا منازع وغدت مركز الثقل فى حركة العالم البحرية ، ومنحت مصر نافذة أطلت منها على العالم "
رحم الله الفيلسوف جمال حمدان
وعند حديثه عن الزراعة المصرية وصف الفيلسوف المصرى وشبه البرسيم بأنه الاستبس المصنوع ، وقد وصف أيضا مصر فى ظل الاحتلال البريطانى بأنها مزرعة قطن لانكشير

وعن قصة الصراع بين المصرى والنيل بعد بناء السد العالى
" أصبح له عقل وله ضمير ، فالنهر الذى طالما تحكم فى رقابنا ، قد تحكمنا أخيرا فى رقبته "
ويقول عن السد العالى :
" السد العالى صنع جغرافية جديدة لمصر "
وفى وصف رائع لبناء السد العالى يقول أيضا :
" فالسد جراحة جغرافية من أدق وأشق الجراحات التى أجراها الانسان على وجه الأرض "
وقد وصف ما قام به الانسان المصرى فى بناء السد بأنها
( الجغرافيا التشكيلية ،والصناعة الطبيعية )

ويقول عاقدا مقارنة بين خزان أسوان والسد العالى :
" خزان أسوان كان ( صهريج مياه ) أما السد العالى ( بنك مياه ) ، وهو قصر من أعظم قصور الماء "
ويقول جمال حمدان فى الاقتصاد
" ليس هناك استقلال سياسى بدون استقلال اقتصادى "
صدق بالفعل

ومن كلماته حول الزراعة المصرية يقول :
" تاريخ الزراعة المصرية حرب دائمة ضد الملح والرمل "
وهذه حقيقة جغرافية تلخص ببلاغة طبيعة زراعة الرى فى واحة صحراوية مدارية

ومن ضمن الشعارات التى أطلقها الدكتور حفاظا على الأراضى المصرية الخصبة من العمران الذى يزحف عاما بعد أخر عليها يقول :
" فليكن الشعار ، الطين للزراعة والرمل للعمران "
وهو يقصد بالطين هنا ( الوادى والدلتا ) وبالرمل ( الصحارى المصرية )

ويقول أيضا عن البرسيم :
"البرسيم هو الأزوت الأخضر "
لأنه صمام أمن الزراعة المصرية وتربتها من الاستنزاف

ويقول عن سلاح الغذاء :
" تجارة الغذاء سلاح سياسى فى يد الاستعمار العالمى "
ومن المعروف أن مصر بعدد سكانها الكبير تستورد الحبوب الغذائية لعدم كفاية الانتاج المحلى ، مما قد يمثل ضغوطا على السياسة المصرية

وعندما تحدث عن الثروة المعدنية فى مصر ، يقول عن الصحراء التى أكتشفت فيها بعض المعادن :

" فأخيرا بررت الصحراء وجودها ونفعها ، فبعد أن كانت مجرد شرنقة للحماية ، أصبحت شرنقة اقتصادية ومعدنية ، وبعد أن كانت وظيفتها جغرافية ، أصبحت وظيفتها جيولوجية "

رائع هذا الوصف
ومن المعروف أن الصحراء الغربية أصبحت تجود - بفضل الله - على مصر بخيرات معدنية من البترول والغاز ، حيث خرجت مصر من حوض السويس ، إلى حوض العلمين
[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] الجوائز والتكريم [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]
حظي جمال حمدان بالتكريم داخل مصر وخارجها:

* جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة 1986م- مصر
* جائزة التقدم العلمي سنة 1992م - الكويت
* جائزة الدول التشجيعية في العلوم الاجتماعية عام 1959م- مصر
* وسام العلوم من الطبقة الأولى عن كتاب "شخصية مصر" عام 1988م.

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] الترشيحات [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

عُرضت عليه كثير من المناصب الكبيرة في مصر وخارجها لكنه اعتذر عنها جميعاً مفضلاً التفرغ للبحث العلمي وكانت بعض الترشيحات هي:

* ترشيحه عام 1983م لتمثيل مصر في إحدى اللجان الهامة بالأمم المتحدة
* عضوية مجمع اللغة العربية
* رئاسة جامعة الكويت.وغير ذلك الكثير.

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] مؤلفاته [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]
ترك جمال حمدان 29 كتاب و79 بحث ومقالة، أشهرها كتاب شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان، ومات ولم يتزوج.

مؤلفاته العربية التي نشرت باللغة العربية:

* دراسات في العالم العربي، القاهرة، 1958
* أنماط من البيئات، القاهرة ، 1958
* دراسة في جغرافيا المدن، القاهرة ، 1958
* المدينة العربية، القاهرة، 1964
* بترول العرب، القاهرة، 1964
* الاستعمار والتحرير في العالم العربي، القاهرة ، 1964
* اليهود انثروبولوجياً، كتاب الهلال، 1967
* شخصية مصر ، كتاب الهلال، 1967
* استراتيجية اللاستعمار والتحرير، القاهرة، 1968
* مقدمة كتاب (( القاهرة )) لديزموند ستيوارت، ترجمة يحيى حقي، 1969
* العالم الإسلامي المعاصر ، القاهرة 1971
* بين أوروبا وآسيا، دراسة في النظائر الجغرافية، القاهرة، 1972
* الجمهورية العربية اللليبية، دراسة في الجغرافيا السياسية، القاهرة، 1973
* 6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية، القاهرة، 1974
* قناة السويس، القاهرة، 1975
* أفريقيا الجديدة، القاهرة، 1975
* موسوعة (( شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان )) 4 أجزاء ، القاهرة ، 1975 - 1984
[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] مؤلفاته وبحوثه المنشورة باللغة الإنجليزية [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

* Population of the Nile Mid - Delta, past and present, Reading University, June 1953
* Khartum : study of a city, Geog. Review, 1956
* Studies in Egyptian Urbanism, Cairo, 1960
* Evolution of irrigation agriculture in Egypt, in : A history of land use arid regions, ed. L. Dublet Stamp, Unesco, Paris, 1961
* Egypt, the land and the people, in: Guide book to geology, 1962
* Pattern of medival urbanism in arab world, Geog. Review, April 1962
* Political map of the new Africa, Geog. Review, October 1963
* The four dimensions of Egypt

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] عرض كتاب اليهود أنثربولوجيا [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

كتاب اليهود انثربولوجيا من الكتب الرائعة لجمال حمدان وقد بحثت عنه كثيرا حتى وجدته أخيرا علي النت , فقمت علي الفور بعمل عرض له .. واليكم ما كتبت

في كتاب كان سببا لوفاته
جمال حمدان في اليهود انثربولوجيا : يهود فلسطين ليسوا من نسل بني إسرائيل


[IMG]http://i49.*******.com/9uqi5s.jpg[/IMG]

تقوم الدعاية الصهيونية علي أكذوبتين أساسيين, الأولى أن اليهود تعرضوا طوال تاريخهم للاضطهاد , وبلغ هذا الاضطهاد مبلغه في ألمانيا النازية, ويستدر اليهود عطف العالم بهذه الأسطورة, والثانية تقول بأن اليهود يحق لهم تأسيس وطن قومي في فلسطين لأن يهود بني إسرائيل بعد أن خرجوا منها ظلوا بمنأى عن الاختلاط الدموي مع الشعوب التي انتشروا بينها, وعلي هذا فيهود اليوم هم النسل المباشر لبني إسرائيل التوراة, شعب الله المختار, الذي وهبه الله ارض الميعاد.
ولهدم أسس تلك الدعاية وتفنيدها علمياً أصدر المفكر والعالم الكبير جمال حمدان كتابه الشهير " اليهود أنثروبولوجيا " في فبراير عام 1967, وفيه أثبت أن 95 % من اليهود المعاصرين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين , كما أثبت كذلك ان الاضطهاد الذي تعرض له اليهود لم يكن بسبب التعصب الديني وإنما يرجع إلي طريقة حياة اليهود واستعلائهم علي غيرهم من الأمم ، ونستعرض فصولا من الكتاب الصادر عن دار " الهلال" والذي تسبب في اغتيال صاحبه .
وللعلم فإن الأنثروبولوجي هو علم دراسة البشر ، في كل مكان وطوال الوقت, وتتعلق أسئلته الأساسية بـ ما الذي يميز الإنسان من ناحية الصفات الجسدية, ولماذا هناك تباينات واختلافات بين المجموعات المختلفة من البشر.
رحلة في التاريخ القديم
يرتبط ذكر اليهود تاريخيا بقصة أبوالأنبياء سيدنا إبراهيم – عليه السلام - الذي عاش في القرن 18 قبل الميلاد في جنوب العراق , وهاجر مع قومه حتى وصلوا إلي حوران في فلسطين, وهناك يولد لإبراهيم سيدنا اسحق , ولاسحق سيولد سيدنا يعقوب ، عليهم السلام , ومن أبناء يعقوب الاثني عشر ستتأصل الأسباط في التاريخ والتوراة.
وحينما وصل اليهود فلسطين وجدوها مسكونة بالكنعانيين, فدخل الطرفان في حرب انتهت بسيطرة العبرانيين علي التلال والأراضي المنخفضة الفقيرة الداخلية في حين ظلت السهول الغنية في أيدي الكنعانيين الأصليين.
وبعد 150 عاما فقط من هجرة إبراهيم, يهاجر يعقوب وأولاده إلي مصر بسبب القحط الشهير, وفيها استقروا بأرض جاشان ( وادي الطميلات والشرقية) نحو 350 عاما إلي أن خرج بهم سيدنا موسى – عليه السلام - حوالي 1300 ق . م هربا من انتقام فرعون لتعاونهم في خيانة واضحة مع الهكسوس غزاة مصر.
خرج اليهود من مصر إلي سيناء, وعاقبهم الله بـ" التيه" في سيناء 40 عاما حتى قادهم يشوع إلي نهر الأردن حيث انتزعوا بعضا من أرض كنعان الداخلية. وفي عام 1000 ق . م يؤسس نبي الله داود عليه السلام مملكة إسرائيل ويتخذ من أورشليم, أي مدينة السلام, عاصمة له , لكن دولته انشطرت بعد خليفته سليمان إلي مملكتين, مملكة يهوذا في الجنوب ومملكة إسرائيل شمالا في السامرة , وأصبحت الدولتين متحاربتين حتى قضي سرجون الآشوري عام 721 ق م علي الدولة الشمالية وقضي نبوخذ نصر البابلي علي الدولة الجنوبية في 586 ق م .

[IMG]http://i49.*******.com/2vx1zsm.jpg[/IMG]

* اليهود في الشتات *
تعرض اليهود لثلاث أو أربع مراحل من الشتات, بدأت الأولي مع سرجون الآشوري الذي نقل كثير من إسرائيلي السامرة إلي بابل, كما نقل نبوخذنصر أغلبية اليهود إلي بابل, وحينما سمح الفرس بعد نصف قرن لليهود بالعودة عادت قلة ضئيلة تقدر بنحو 50 ألفا , أما الأغلبية فبقيت في العراق وانتشرت في فارس وأفغانستان وبخاري وسمرقند, والقوقاز والهند والصين.
أما يهود الجزيرة العربية فيقول جمال حمدان أنه لا يوجد دليل يؤكد انتمائهم إلي يهود الشتات البابلي , والأرجح أنهم عرب تحولوا إلي اليهودية وليسوا من يهود فلسطين , وكذلك الحال ليهود اليمن فقد تحول عدد كبير من سكان البلاد إلي اليهودية.
والشتات الثاني هو الشتات الهلليني الذي بدأ مع فتوح الإسكندر واستمر مع السلوقيين والبطالسة ثم البيزنطيين ؛ حيث انتشر اليهود في كل أنحاء العالم الهللينستسي والبيزنطي , وفي الإسكندرية كانوا يشكلون ثلث سكان المدينة, وعدا مصر تركز اليهود في مركزان: البلقان و سواحل البحر الأسود, وأرسل يهود البلقان عناصر منهم إلي روسيا.
ولعب التتار دورا مهما في التاريخ اليهودي فقد تحولت دوله الخزر التترية إلى اليهودية في القرن السابع أو الثامن الميلادي وبهذا أصبح في المنطقة يهود أصليين ويهود متحولين من السكان المحليين.
الشتات الروماني هو الشتات الثالث ؛ فقد خرب الرومان أورشليم في مذبحة عام 70 م , وحينما عاد اليهود للثورة 135 م عاقبهم الرومان بمذبحة نهائية قضت وإلي الأبد علي علاقة اليهود بفلسطين كدولة وكقومية.
وقام الرومان بنفي من تبقي علي قيد الحياة من اليهود إلي سائر أنحاء الإمبراطورية, وكان عددهم 40 ألف فقط , وفي القرن الخامس الميلادي وصل العدد ما بين 4 و 7 ملايين , أي أنهم ضاعفوا أنفسهم بين 100 و 180 مرة , وهذه الزيادة قد تعني أن تزايدهم كان بالتحول والتبشير كما سنري. .
نصل أخيرا إلي الشتات الحديث, وبدأ مع اكتشاف الأمريكتين وهجرة عدد كبير من اليهود إلي أمريكا حتى أصبحت تضم أكبر عدد من اليهود في العالم . ومع الاضطهاد النازي خرجت أعداد كبيرة أخري إلي الولايات المتحدة وتوجهت أعداد أخرى إلي فلسطين.
طوائف اليهود الثلاث
ينقسم اليهود في العصور الحديثة إلي ثلاثة طوائف أساسية, وهي الأشكناز والسفاردي واليهود الشرقيين.
الأشكناز والسفاردي كلمتان قديمتان في التوراة استعارتهما اليهودية في العصور الوسطي لتميز بين يهود ألمانيا ويهود أسبانيا علي الترتيب ، اعتقادا منهم بأن يهود ألمانيا ينحدرون من نسل قبيلة بينامين. والسفارديم يدعون أنهم "أرستقراطية" اليهود, لكن الأشكناز يؤلفون الأغلبية العددية والطبقة المتفوقة حضاريا إلي حد ما لدرجة أنهم يحتقرون السفارديم.
وينتشر الأشكناز اليوم في غرب ووسط وشرق أوروبا , بالإضافة إلي العالم الجديد , وجنوب أفريقيا واستراليا. في حين يمثل السفارديم يهود البلقان والشرق الأدنى , وبعض المستعمرات والجاليات المبعثرة علي شواطئ البحر المتوسط بالإضافة إلي امتدادهم في العالم الجديد.
أما اليهود الشرقيين فإنهم يمثلون مجموعة قائمة بذاتها استمدت أصولها القديمة من فلسطين, وهم إذا كانوا الأقرب إلي الأصول الفلسطينية فإنهم الأقل عددا ومرتبة بين اليهود, وينظر إليهم السفارديم والأشكناز نظرة احتقار وازدراء.
مجتمع الجيتو
في هذا الفصل يتحدث كتاب جمال حمدان أنه في كل الأماكن التي انتقل اليهود إليها فقد عاشوا في مكان خاص بهم وحدهم, وربما يعود سبب هذه العزلة إلي قوانين الدول التي عاش فيها اليهود احكاما للرقابة عليهم ومنع اختلاطهم بغيرهم , ولكن كثيرا ما ترجع هذه العزلة إلي صنع اليهود أنفسهم سعيا منهم إلي التركز والاحتشاد في نقطة واحدة ضمانا للحماية.
واليهودي مرتبط دائما بالمال والتجارة والسمسرة والربا أبدا, ويكره العمل اليدوي الشاق أو في الخلاء, يكره الجهد الجسماني عامة, ويفضل أن يعيش بعقله لا بعضله. من هنا يبتعد عن الزراعة والصناعة ويركز علي العيش في المدن حيث الأعمال الحرة والمعاملات التجارية والنشاطات المصرفية والمالية ...الخ. وهذا الأمر هو سبب كراهية الأمم لهم, ولعله – أكثر من التعصب الديني – المصدر الأول لاضطهادهم ومقتهم.

[IMG]http://i50.*******.com/307vu39.jpg[/IMG]

* الأصل الجنسي لليهود *
نصل الآن إلي أساس الدعاية الصهيونية, فبعد كل هذا الشتات الذي تعرض له اليهود تحاول آلة الدعاية أن تسخر الأنثروبولوجية لتثبت أن يهود بني إسرائيل بعد أن خرجوا من فلسطين حافظوا علي نقائهم الجنسي !.
يفند جمال حمدان تلك الأساطير بالأساليب العلمية, ويؤكد – بعد مقارنة يهود اليوم والمذكورين بالتوراة قديما متتبعا الصفات الجنسية من طول ولون بشرة وغير ذلك - أنه لا توجد وحدة جنسية بين اليهود ككل, ويستشهد بأقوال بعض العلماء اليهود أيضا مثل هوتون Hooton الذي يقرر بجزم قاطع "حقيقة هي لا شك فيها أن اليهود مختلطون جنسيا ومن وأصول طبيعية متنوعة".
والسؤال الآن : كيف تم اختلاط أو تخليط اليهود ؟ وما هي الأدلة والشواهد عليه؟ .. لقد كان هناك طريقان أساسيان لانتشار اليهودية وتمددها : التحول الديني سواء من الوثنية أو المسيحية , والتزواج والامتزاج الدموي ؛ فنجد أن اليهود المذكورين بالتوراة قد تخلطوا في عقر دارهم مع جيرانهم من الفلسطينيين .
وطوال تاريخ اليهود نلمح ظاهرتين : أعداد كبيرة من غير اليهود تدخل اليهودية , وفي نفس الوقت أعداد من اليهود لا تقل ضخامة تخرج من اليهودية ,وبالتالي فإن جسم طائفة اليهود ليس ثابتا جنسيا بل هو متحرك. ويقرر حمدان حقيقة خطيرة : اليهود جنسيا آريون أكثر منهم ساميين أو بتعبير آخر إنهم أوروبيون يهودوا أكثر منهم يهود تأوربوا .
ويؤكد حمدان بكتابه أيضا أننا لا يمكن علميا أن نستبعد من بعض يهود العالم نسبة ما من الأصل الفلسطيني القديم , لكن هؤلاء لا يزيدون علي نسبة بالغة الضآلة إلي أقصي حد. وقد توصلت دراسة لعالم بريطاني أن 95 % من اليهود ليسوا من بني إسرائيل التوراة وإنما هم أجانب متحولون أو مختلطون.
وترى الحركة الصهيونية – وفق الكتاب الذي بين أيدينا - أن روح الليبرالية المعاصرة وتطور الوعي في المجتمعات الصناعية والتسامح الديني كلها طفرات تهدد بانتهاء اضطهاد ونهاية ضد السامية ، وبالتالي تهدد بسقوط الستار الحديدي الذي فرضه اليهود علي أنفسهم وتهدد بذوبانهم في شعوب الأمم الأخرى ، ومن هنا تشدد في استبقاء مناخ الاضطهاد وتجسيد أسطورته إلي الأبد لتوقف تيار الذوبان الغلاب الذي يفرض نفسه ويتمثل في التزواج المختلط مع غير اليهود, وفي تحول بعض اليهود إلي عقائد أخري. ويتنبأ حمدان أن يتناقص - لهذا السبب - يهود أمريكا مع تسارع العلمانية..
أفكار خاطئة
مادام اليهود لم يعودا من الساميين فيمكننا أن نرى الخطأ الشائع في تسمية اضطهاد اليهود بمعاداة السامية فنحن في الحقيقة إزاء "ضد اليهودية", الاضطهاد النازي لليهود في ألمانيا لم يكن في جوهره إلا اضطهاد ألمان لألمان , لا يقل معظمهم عنهم في الآرية والنوردية. وإنما يختلفون فقط في الديانة وطريقة الحياة .
تسقط كذلك ببساطة أي دعاوى قرابة دم بين العرب واليهود ، فقد يكون يهود التوراة والعرب أبناء عمومة , لكن نسل اسحق ذاب في دماء غربية ووصل الذوبان إلي حد الانحلال حتى أصبحنا إزاء قوم غرباء لا علاقة لهم البتة بإسحاق.
إن اليهود اليوم أقارب الأوروبيين والأمريكيين ومن هنا فإن اليهود في أوروبا وأمريكا ليسوا غرباء او دخلاء أجانب يعيشون في المنفي وتحت رحمة أصحاب البيت بل هم من صميم أهل البيت نسلا وسلالة لا بفرقهم عنهم سوى الدين, إذن اليهود غرباء فقط في فلسطين .
وانطلاقا من هذا يسقط كذلك أي ادعاء سياسي للصهيونية في ارض الميعاد . فبغض النظر عن أن القانون الدولي يتكفل بشجب إدعاءاتهم على أي أساس تاريخي أو ديني فان الانثروبوجيا تبدد أي أساس جنسي قد يزعمون في هذا الصدد. فمن ناحية ليس اليهود قومية ولا هم شعب أو أمة بل هم مجرد طائفة دينية تتألف من أخلاط من كل الشعوب والقوميات والأمم والأجناس .

.. في التسعينات من القرن الماضي بدأ حمدان في كتابة مسودة كتابه " اليهودية والصهيونية" , وربما أراد التوسع في عرض فكرة كتاب " اليهود أنثروبولوجيا " . لكن في أحد الأيام عثر علي العالم الجليل مقتولا في شقته, والبعض قال أنه مات محترقا أثناء أعداد كوب شئ لنفسه حيث كان يعيش في عزله, لكن البعض الآخر يرجح وجود يد للموساد الإسرائيلي خاصة مع اختفاء مسودة الكتاب الجديد. !!

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] هيكـــــل [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]
لقاء بين الأستاذ هيكل والأستاذ جمال حمدان ...
" لا يمكن أن أنسي هذا اللقاء وما دار فيه.
لقاء بين عملاقين..
أحدهما، عالم الجغرافيا الفذ، والثاني الكاتب والصحفي والمؤرخ.
هل أقول إنه لقاء بين شخصين متباينين وان اتفقا في الموقف الوطني ؟.. حمدان قابع في برجه العاجي يعيش عزلة يقرأ ويبحث فيها، وهيكل ينغمس في مراقبة الأحداث ولقاء الشخصيات المختلفة.

أحدهما مثالي في أحكامه، والآخر واقعي عملي يعرف كيف يتعامل مع الأحداث والناس.
إشترك كلاهما في الا خلفيته الفكرية، وطبيعته المتميزة.
بادر الدكتور جمال حمدان موجهاً حديثه للأستاذ هيكل .
قائلا: كيف تسكت يا أستاذ هيكل علي ما يجري في مصر؟.
وأجاب الأستاذ: وماذا تريد أن أفعل؟!
قال حمدان: لا تقل لي أن من يحترف الكتابة عادة لا يتقن الحديث ولكنك تتقن الكتابة الراقية والحديث المقنع ايضا، أو أن عادة لا يعرف التفاصيل من هو غارق في الكليات، ولكنك تجمع بين المعرفة الدقيقة بالتفاصيل والكليات معاً.

عادة لا يعرف الفيلسوف المسائل العملية ولا يتقنها، وأنت تعرف الفلسفة ولديك قدرة عملية كبيرة، وعادة ما يكون المفكر السياسي غير محترف السياسة وممارسها، ولكنك مفكر وسياسي في ذات الوقت..

فلماذا لا تقود أهل مصر في طريق الخلاص؟!
واستمع هيكل بانصات،، ثم رد قائلا.. «لقد جئت اليك حتي أسمع منك، وأنت صاحب كتاب «شخصية مصر» لكي تفسر ما يجري.؟ وما تفسيرك لتدهور موقف مصر السياسي.؟ ولماذا رحب البعض بهذه الاتفاقية.؟

وهل تفسيرك حول المجتمع النهري والسيطرة المركزية للسلطة،. يكفي تفسيراً لما نشاهده.؟
ويرد د. جمال حمدان في كلمات كالطلقات.. «الطغيان» هو الذي أوصلنا الي هذه الحالة، مما جعل قبول الرأي الواحد عادة ذميمة، فالطغيان هو المعزوفة الحزينة للتاريخ المصري، مما خنق كل مبادرة، وتاريخيا يعتبر الحاكم إلاها حتي يسقط.

وتاريخيا يضع نفسه فوق النقد حتي يرحل، وهو التاريخ والجغرافيا حتي يأتي غيره.
وأضاف....
«ومازلنا بعيدين عن التعليم الحقيقي. الذي يجعل الشعب كله خلية متحركة، ولا يرغب أحد رغبة حقيقية في أن يتعلم الشعب، فعندئذ سيعرف حقوقه ويتعلم كيف يطالب بها، وكيف يحصل عليها..»

ويقول ولكن دعني أسألك يا أستاذ هيكل.. ماهذا الذي خلفته وراءك في الأهرام، وما هذا الذي يكتبه كبار الكتاب، وكأنهم يحملون المباخر لكل قرارات السادات..؟
ويرد الأستاذ هيكل..

«لست مسئ
فلم أصنع د. حسين فوزي أو توفيق الحكم أو نجيب محفوظ.
«فماذا بشأن ما يكتبه جيل صحفي جيد، تتلمذ علي يديك، وبدأ العمل الصحفي معك..؟

وانتقل الحديث بعد ذلك الي مشاريع كل منهما، وذكر الاستاذ هيكل الكتاب الذي يعده للنشر، والذي يؤكد فيه علي الذاكرة التاريخية لمصر..

ووعد د. جمال حمدان ان يزور الأستاذ هيكل لاستئناف الحوار عندما تتحسن ظروفه الصحية.
وبدأت بينهما علاقة حميمة ومناقشات خصبه حول المستقبل، يملك الأستاذ وحده الكشف عنها.

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] لغز الاغتيال [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

جاءت وفاة جمال حمدان في السابع عشر من إبريل 1993، إثر تسرب للغاز من أنبوبة الغاز وذلك أثناء قيامه بإعداد كوب من الشاي لنفسه .

وعلى الرغم من أن وفاة هذا العالم قد تبدو طبيعية وممكن حدوثها لأي شخص، ولكن كان يشوب موته بعض الشك في أن الموساد الإسرائيلي ربما يكون وراء وفاته، خاصة أنه جاء قبل انتهاؤه من مشروع إعداد وثيقة تاريخية وجغرافية تكشف أكاذيب تأسيس المشروع الصهيوني فوق الجغرافية الفلسطينية وعثر على قصاصات ورقية بخط يده تناولت أفكاره حول الموسوعة التي كان بصدد إعدادها.

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] ندوة " جمال حمدان " انتحار & اغتيال [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

وفي محاولة للإجابة على سؤال (الموساد و”جمال حمدان” انتحار أم اغتيال؟) عقَد مركز (حوار للتنمية والإعلام) ندوةً مساء الأحد 11/4/2004م تحدثت فيها الكاتبة المعروفة الدكتورة “نعمات أحمد فؤاد” والكاتب الصحفي “عبد الله بلال”، وأدارها الباحث الإسلامي “عطية الويشي”، وحضرها “حسين محمد إبراهيم”- عضو مجلس الشعب ورئيس مجلس إدارة المركز.

في البداية أكد “عطية الويشي” أن “جمال حمدان” لم يكن مجرد عالم جغرافيا، بل كان علامةً واضحةً على طريق المشروع الحضاري والفكري للأمة الإسلامية، وأحد الذين بَعثوا فينا مقومات التنمية الحضارية، مؤكدًا أهمية التأسيس التربوي الذي تلقَّاه “حمدان” على يد والده وفي الكتاتيب التي ساهمت في تشكيل عقله ووجدانه، كما تخرج في مدرسة الإسلام والقومية والعروبة والوطنية.

وأشار “الويشي” إلى أن عبقرية “حمدان” تتمثل في استشرافه للمستقبل؛ حيث تنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، وكان تصريحُه ذلك في نهاية الستينيات مثارَ استهزاءٍ من المجتمع الذي لم يكن يتوقع ذلك، ولكن صدقت النبوءة؛ لأنها كانت من رجل يدرك أبعاد الحدث، كما تنبَّأ بمذابح البوسنة والهرسك قبل حدوثها، وتنبأ أيضًا بما يحدث الآن بعد أحداث 11 سبتمبر من محاولات الوقيعة بين العالَمين الإسلامي والمسيحي.

ويضيف أن “حمدان” وضع عدة معادلات مهمة تثبت مدى حسه القومي والوطني، ومنها معادلة النهضة التي تساوي الوطنية في القومية وفي الحضارة، كما وضع شروطًا للقضاء على الصهاينة في المعادلة الآتية: زوال إسرائيل (الكيان الصهيوني) يساوي الإجرام الصهيوني في مدى ردِّ الفعل العربي تجاه التحدي الصهيوني، واختتم حديثه مؤكدًا أن هذه الندوة تعتبر محاولةً للتعافي من شبهة التورط في قتل “حمدان”؛ حيث لم نقدم له شيئًا في حياته أو بعد موته، وتٍساءل كيف لمثل الدكتور “حمدان” أن يموت في بلده، ولم يستطع أحد أن يعرف القاتل لمدة 11 عامًا.

وتضيف الدكتورة “نعمات أحمد فؤاد” أن “جمال حمدان” هو أحد أبناء مصر العريقة، صاحبة التاريخ الكبير، التي حافظت على حضارتها رغم مرور آلاف السنين، والتي دلَّت حضارتها على أن الإنسان المصري القديم- إنسان العصر الحجري القديم- كان يعيش في صحاري مصر الجنوبية منذ 200 ألف سنة في النوبة وسيوة، التي عُثر فيها على حضارة منذ 11 ألف سنة ق . م، كما عرف االمصريون دفن موتاهم منذ 10 آلاف سنة، وعرفوا الكتابة منذ 7 آلاف سنة، وأضافت أن “جمال حمدان” عاش عاشقًا متيَّمًا بمصر والمصريين، وكانت مصر تمثِّل له ملتقى الشرق والغرب، وهي التي تجمع في تناسب نادر بين العُزلة في غير تقوقع والاحتكاك الذي لا يصل إلى حد التميُّع؛ لذلك احتفظت مصر بكيان وشخصية قوية، وأكدت أن “حمدان” كان يرى أن الغرب وإن اعتبر نفسه أستاذَنا اليوم فهو تلميذنا بالأمس، وإن عطاء مصر الحضاري أثَّر كثيرًا في حضارة أوربا والعالم.

أما الكاتب “عبد الله بلال”- الملحق الصحفي السابق بسفارتي مصر في ليبيا والأردن وصاحب كتاب (جمال حمدان.. انتحار أم اغتيال)- فتساءل عن رحيل “حمدان” وهل كانت وفاته طبيعية أم تمَّت بفعلٍ آثمٍ نفَّذه قاتلٌ معلوم؟ وأجاب بأنَّ كتابات “حمدان” تُحدِّد اسم قاتله، الذي من مصلحته ألا يستمر هذا الفكر الوضَّاء؛ مما يدفع بالقاتل إلى تنفيذ جريمة التصفية، حفاظًا على مصالحه، ووصف موت “حمدان” بأنه “نحر” وليس “انتحارًا”، مضيفًا أن “حمدان” كان يملك قلمًا حرًّا وعقلاً منيرًا، سخَّرهما لخدمة قضايا الأمة، وهو ما دفع إلى قتلِه، كما حدث مع العلماء: “سميرة موسى”، “يحيى المشد”، “سعيد بدير”، “سمير نجيب”، “أحمد الجمال”، الذين اغتالهم وغيرهم قاتلٌ يسهلُ تحديدُه لمن يملك ذرَّة تفكير، وطالب بفتح ملف اغتيال هؤلاء العلماء ودراسة أسباب وفاتهم؛ لأن أرواح المفكِّرين والعلماء أمانة ومسئولية الأوفياء، ولا يجب السكوت عنها.

وأشار “عبد الله بلال” إلى أن “حمدان”- الذي كان يمنح مواطنيه (بوصلة) اتجاه صحيحة ويسلمهم طوق نجاة إلى الرفاهية والاستقرار- لم يمت منتحرًا بواسطة أنبوبة البوتاجاز، التي ثبتت براءتها في التحقيقات، بل قُتل بدافع الحق ضدَّ الأمة العربية؛ ونتيجة تحرك أعداء الأمة الحقيقيين (الصهاينة) لتنفيذ مخطط متواصل؛ للتخلص من المخلصين من أبناء تلك الأمة، نافيًا أن يكون “حمدان” منعزلاً عن المجتمع، بل كان بعيدًا عن الأشخاص، ولكنه لم يبتعد عن المجتمع وقضاياه؛ حيث كان دائم المتابعة لأحداث المجتمع، ورصد قضاياه، والكتابة عن وسائل رقيِّ هذا المجتمع.

واختتم “حسين إبراهيم”- عضو مجلس الشعب- الندوة قائلاً: “إن “حمدان” يمثل عبقرية الإنسان والمكان، ورغم مرور هذه السنوات على وفاته إلا أننا نشعر بقميته من خلال تحليله جغرافيا مصر وفلسطين، وتوصيفه لإستراتيجية الاستعمار في استنزاف ثروات الأمة وتساءل: هل رحل “حمدان” فعلاً أم أنه مازال شاهدًا على ما يحدث في عالمنا العربي؟
حمدان.. طائر العنقاء

قال عنه محمد حسنين هيكل في مقدمة كتابه "أكتوبر 73.. السياسة والسلاح" والذي أهداه إلى الدكتور جمال حمدان:

"لقد ظهر هذا العالم المتميز في آفاق الفكر العربي كطائر العنقاء الأسطوري، الذي تحكي قصص الأقدمين أن موطنه الأصلي صحراء العرب، وتروي أن طائرا واحدا منه يظهر كل مئات السنين وإنه يعلو في الآفاق محلقا بأجنحته العريضة المهيبة، وفاردا ريشه بديعا وباهرا، ولكن عندما يحين الأوان فإن هذا الطائر الأسطوري الوحيد يقيم لنفسه تلا من النار ويهبط من الأجواء، ينتصب واقفا في كبرياء وسط لهيبه، لكنه لا يتفحم ولا يتحول إلى رماد، وإنما ينبعث من قلب النار مستعدا لحياة جديدة ومنتشيا بشباب عمر جديد.

وكان جمال حمدان "عنقاء" حلماً مصرياً وقومياً عظيماً، ولقد حوطته ألسنة النار ذات صباح في شهر إبريل 1993م، لكن الأحلام العظيمة حتى في قلب اللهيب لا تتفحم ولا تتحول إلى رماد، وإنما تنهض بمعجزة من معجزات البعث من وسط الحريق مجددة حياتها وشبابها، ناشرة ضياءها وإلهامها، فاتحة أجنحتها القوية، ومحلقة إلى أعالي السماء.

[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG][IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG] وفاته [IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG][IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]

عثر على جثته والنصف الأسفل منها محروقاً, واعتقد الجميع أن د. حمدان مات متأثراً بالحروق, ولكن د. يوسف الجندي مفتش الصحة بالجيزة أثبت في تقريره أن الفقيد لم يمت مختنقاً بالغاز, كما أن الحروق ليست سبباً في وفاته لأنها لم تصل لدرجة أحداث الوفاة.

اكتشف المقربون من د.حمدان اختفاء مسودات بعض الكتب التي كان بصدد الانتهاء من تأليفها, وعلى رأسها كتابة عن اليهودية والصهيونية, مع العلم أن النار التي اندلعت في الشقة لم تصل لكتب وأوراق د. حمدان, مما يعني اختفاء هذه المسودات بفعل فاعل وحتى هذه اللحظة لم يعلم أحد سبب الوفاة ولا اين اختفت مسودات الكتب التي كانت تتحدث عن اليهود.
وقد فجّر رئيس المخابرات السابق أمين هويدي مفاجأة من العيار الثقيل، حول الكيفية التي مات بها جمال حمدان، وأكد هويدي أن لديه ما يثبت أن الموساد الإسرائيلي هو الذي قتل حمدان


[IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG][IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG][IMG]http://i16.*******.com/4l5x3lz.jpg[/IMG]


للمزيد من مواضيعي

 

الموضوع الأصلي : جمــــال حمدان شخصيـــة مصــر     -||-     المصدر : منتديات مزيكا توداي     -||-     الكاتب : اعز الناس وبس



[lJJJJhg pl]hk aowdJJJm lwJJv pl]hk

 

 

 


اعز الناس وبس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

 

قديم 28-11-2009, 03:08 PM   #2 (permalink)
عضو مزيكاوي
 
الصورة الرمزية اعز الناس وبس
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: فى الركن البعيد الهادى
العمر: 23
المشاركات: 2,267
افتراضي

 

بورتريهات بألوان الشجن
مثقفون قتلهم الإكتئاب
بقلم د:
خالد منتصر

"أبريل أقسى الشهور " هكذا بدأ الشاعر ت. س. إليوت قصيدته الشهيرة " الأرض الخراب" و هكذا أيضاً رسم لنا هذا الشهر العاصف الكئيب أكثر الصور قسوة و عبثية، فقد رحل عنا فيه أهم عشاق مصر المحروسة و الذي كتب فيها أطول قصيدة حب في التاريخ قصيدة من 3552 صفحة تغني فيها بجمال و تاريخ و عبقرية تلك المعشوقة التي ذاب في غرامها و ترهبن في محراب حبها و إكتوي أيضا بنار هجرها و صدها و جفوتها، فجمال حمدان هو العاشق الوحيد في هذا الكون الذي أحب و ظل علي العهد و لم يتسلل إلي قلبه أبداً مشاعر كراهية أو ندم أو حتى عتاب لهذه المحبوبة و التي للأسف لم تبادله نفس الحب، بل إنها في معظم الأحيان قابلت حبه بالغدر و عشقه بالتمنع ،و إقترابه بالبعد، و ذوبانه بالبرود، و تبتله وولهه باللامبالاة و الطناش ...و في هذا الشهر من عام 1993 قرأنا خبر وفاة جمال حمدان في ركن منزو بإحدى الجرائد ،يقول الخبر.. " إنفجار أنبوبة بوتاجاز في دكتور جغرافيا "، كان الخبر مليئاً بالأخطاء المطبعية و العلمية أيضا و بدون صورة فوتوغرافية واحدة و السبب في منتهى البساطة فقد كان المحرر لا يعرف من هو جمال حمدان، و كان الأرشيف الصحفي لا يحتفظ إلا بصور المهمين VIP ..ذوي الحيثية من رجال البلد، و بالطبع لم يكن الدكتور جمال حمدان من ضمن هؤلاء المهمين ،و بالطبع لم يلتفت التليفزيون لخبر وفاته بينما أذاع خبراً عاجلاً عن مشكلة الملعب المحايد الذي سيلعب عليه الإسماعيلي و الأهلي مباراة نهائي الدوري، و في نفس يوم وفاته كانت نادية الجندي تستعد لفيلمها الجديد، ووزارة الصحة تعلن عن نجاح حملتها علي تجار الفسيخ ،و الحكومة تعلن عن نجاح خطتها في الخصخصة، و إسرائيل تبدي إرتياحاً لمسيرة السلام، و مسئولو الجمارك يرفعون الحظر عن الكافيار و السيجار الكوبي، ووزير التربية و التعليم يدلي بتصريحات عن استعدادات الوزارة لامتحانات نهاية العام، و ماسبيرو علي قدم وساق إستعداداً لليالي التليفزيون ،و المفكرون يبحثون تأثير الفيديو كليب علي الشباب ، و المثقفون من فئة تجار الشنطة يحزمون حقائبهم علي مهرجان خليجي ثمين ،و الضرائب تتصالح مع الراقصة فلانة التي وافقت علي دفع مليون جنيه ،و المودعون في الريان، و فلاحو العراق مازالوا في رحلة البحث عن فلوسهم الضائعة، وبواب العمارة رقم 25 شارع أمين الرافعى بالدقى يقتحم شقة جمال حمدان فيجده ملقي علي أرضية المطبخ و قد تفحم نصفه الأسفل تماما.

إنها أنبوبة بوتاجاز قضت في ثوان علي مشروع ذلك الراهب العملاق ، الذي اعتزل الناس و لكنه لم يعتزل الحياة، فقد كان يؤمن بمقولة سارتر" الجحيم هم الآخرون" ،فإختار العزلة في بيته المتواضع حيث الدولاب المتهالك، و السرير السفري، و الترابيزة المختفية تحت ركام الكتب، و بوتاجاز المصانع الحربية ،و الراديو و الترانزيستور وسيلته الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي فقد كان رافضاً للتليفون والتليفزيون... كانت هذه هي مفرداته المعيشية، أما مفرداته الفكرية فقد كانت باتساع العالم كله، و نستعير هنا لغة الجغرافيا التي علمنا جمال حمدان عشقها المزمن فهو إنسان بلا حدود جغرافية واضحة فيه من صفات الوادي مداه اللانهائي، و فيه من الغابة أحراشها المتشابكة المعقدة ،وفيه من النيل فيضانه ،و فيه من الجبل شممه و إباؤه، يحنو كما يحنو النيل علي أبنائه بالخير و يثور أيضا كما يثور النيل حافراً مجراه نحو الغاية و المصب ،وجهه الجرانيتي لا تستطيع أن تخطئ مصريته بلونه الأسمر المتشرب بطمي النيل و أنفه البارز و عينيه المكحلتين و شعره المجعد و وجنتيه المتحديتين و كأنهما نحتا بأزميل فنان فرعوني قديم، لم تستطع نظارته السميكة أن تخدعنا و تخفي هذه الملامح المصرية بل علي العكس فهي قد وضعتها في البرواز فبدت و كأنها ملامح فلاح مصر الفصيح الذي صناعته الخلود و قدره أن يظل مظلوماً إلي الأبد.

قصة ظلم د. جمال حمدان بدأت منذ أن تفتحت زهور عبقريته و حصل علي الدكتوراه من بريطانيا في سن صغيرة جداً في الخامسة و العشرين، و كان موضوعها عن سكان وسط الدلتا أما جائزة الدولة التشجيعية فقد حصل عليها سنة 1959 و هو في الواحدة و الثلاثين فقط ،و في الخامسة و الثلاثين ترك الفارس جواده الجامح الذي كان يعتز به ونزل ليترجل في دروب الحياة القاسية، إستقال من الجامعة إحتجاجاً علي الظلم فها هو زميله الذي حصل علي الليسانس بدرجة مقبول ليعمل بعدها رساماً للخرائط في القسم و مساعداً للأساتذة في إعداد كتبهم يتساوى معه ويحصل علي الأستاذية، و يترقى أحد المحظوظين و تكون أوراق اعتماده الوحيدة أنه من أصحاب الحظوة و المرضي عنهم ،مجرد واحد من حارقي البخور حول الكرسي ،و لكن هذا الواحد نافس جمال حمدان الذي أبي ضميره أن ينضم إلي القطيع الذي يبيع العلم لقاء السلطة ،و إستقال عام 1963 آخذاً قراره بالانعزال أو بمعني أصح الاعتصام احتجاجاً علي زمن رديء يصعد فيه الأقزام سلم المجد و الشهرة و يمارس فيه الأفاقون ألاعيب الحواة ليحققوا أحلامهم و ينزوي العباقرة و العمالقة لأنهم لا يجيدون الطبل و الزمر في زمن الموالد الثقافية و حلقات الذكر الفكرية.

إعتصم جمال حمدان في بيته المتواضع و المدهش أن إحساس الثأر و الانتقام لم يستغرقاه بل علي العكس حاول أن يبحث عن هوية مصر، فظل عاكفاً علي تأليف موسوعته العبقرية " شخصية مصر" و يجدد فيها منذ 1967 حتى صدر المجلد الأول منها في بداية الثمانينات فأثبت أنه جامعة مستقلة بذاتها من الممكن أن يتخرج منها الآلاف من التلاميذ عبر قراءة هذا السفر ،و التزود من هذه الملحمة ،و ظل جمال حمدان معتصماً في هذا البيت رافضاً الانخراط في تفاهات الحياة لا يفتح الباب لأحد إلا البواب و خاصة الأصدقاء الحميمين منكباً علي قصيدته العاشقة يكتبها بشرايينه قبل عقله و كأنه يسبق الزمن الذي كان متأكداً أنه لا يسعف العباقرة، ولا يحنو عليهم، و بعد هذا الرحيل العبثي المفاجئ خرجت جنازته و بها ثلاثون شخصا فقط ،و كأنه نكرة وليس علماً من المفروض أن يشار له بالبنان و إخترق التابوت الذي يحمل جثمانه الطاهر شوارع القاهرة التي ذاب فيها عشقاً، و للأسف كانت هذه الشوارع تعرفه جيداً، و تحفظ ملامحه أما البشر فقد كانوا يتهامسون وهم يشيرون للجثمان " جنازة مين دي؟!" و كذلك كسب جمال حمدان رهانه علي ذاكرة جغرافية الأرض التي حفظت تضاريسه، بينما خسر رهانه علي ذاكرة البشر نسوا إسمه.

أصدقكم القول كانت الجغرافيا بالنسبة لي كما هي بالنسبة لكل الطلبة في مصر مادة جافة عقيمة بل و سخيفة، كنت لا أعرف لماذا أدرسها ،و ما هي جدوي معرفة هذه الخرائط الملونة الخرساء و ما الضرر في إلغائها من المقرر الدراسي حتى نتفرغ لما هو أهم؟ ،كان هذا هو السائد عن علم الجغرافيا حتى خرج علينا جمال حمدان بملحمته عن شخصية مصر فأثبت لنا أن الجغرافيا هي كائن من لحم و دم يتنفس و يثور و يغضب، نعرف منها تضاريس الروح و ليس تضاريس الأرض، و نشم رائحة البشر لا رائحة حبر الخرائط، و نلمس فيها ملامح الحياة لاموات الحفريات ،و نسمع منها موسيقي الكون المنطلق لا صمت السكون الأخرس، فقد خلع جمال حمدان في هذا الكتاب ثوب الأكاديمي المتخصص، و ارتدي عباءة الفيلسوف و جلباب الفلاح و أفرول العامل ،وقلل من جفاف الإحصائيات لصالح اللغة الأدبية لدرجة يحس معها القارئ في بعض الأحيان أنه يقرأ شعراً، أو يشاهد لوحة، و هذا ليس بمستغرب علي هذا العبقري الذي كان يجيد الغناء الشرقي و الأوبرالي، و يمارس الرسم و الخط ويصر علي تصميم أغلفة كتبه بنفسه، و المدهش أن جمال حمدان ذلك الرجل الذي كان يحمل ملامح صارمة، و شخصية تفتقد اللباقة الاجتماعية، و سلوكاً كحد السيف، هذا الرجل كان في غاية الرومانسية ،و يحكي أصدقاؤه المقربون عن تلك الفتاة الشقراء التي أحبها أثناء البعثة و إنتهي هذا الحب بالفشل لأسباب غامضة، و لكنه ظل مخلصاً لها طيلة حياته محتفظاً بصورتها التي لم تلتهما نار أنبوبة البوتاجاز، و كأنها أرادت أن تصالحه فتركت له صورتها بعيدة عن ألسنة اللهب.

لا أستطيع مناداة جمال حمدان بلقب الجغرافي فهذا يقلل من حجمه و قامته الأسطورية و يحبسه في إطار أكاديمي متخصص ضيق، و لكني أناديه بالفيلسوف الذي استطاع صياغة الجغرافيا و تكثيفها و تقطيرها في قارورة عطر خاصة جداً يفوح عطرها إلي الأبد ألقاها في حجر و حضن الوطن ليتعطر بها عند اللزوم، و يتذكر هويته أثناء المواجهات المصيرية و برغم أنه كتب في مواضيع كثيرة قبل هذا الكتاب مثل كتبه عن الثورة و عن البترول وعن اليهود و حرب أكتوبر والاستعمار إلا أن كتابة " شخصية مصر " هو درة هذا العقد الفريد ،وملخص مشروعه الفكري كله وبصمته المتميزة التي لن تتكرر ،وظروف كتابه هذه المجلدات الأربعة هي التي جعلته بحثاً في الهوية وليس بحثاً في الجغرافيا، فقد صدر ملخصه الأول عن دار الهلال إبان هزيمة ،1967 والتي شرخت الجميع وكسرت أرواحهم إلى شظايا تحتاج إلى عملية تجبير أسطورية شبه مستحيلة، وتصدي جمال حمدان للمهمة الصعبة ، و كما كانت العزلة دافعاً لاستكمال هذا الإنجاز بعد الهزيمة كانت أيضا حاجزاً و سبباً لتشويش الرؤية قبلها، و قد كان الراهب جمال حمدان في صومعته لا يدرك كم تغيرت الأمور في الخارج، و كم نخر السوس في المؤسسة العسكرية، و لذلك كتب بتفاؤل مفرط قبل هزيمة 67 بشهور قليلة في جريدة الأهرام ثلاث مقالات و تحدث عن كيفية مواجهة إسرائيل و تصفيتها مستهيناً فيها بقوة إسرائيل العسكرية، و مضخماً من قدرة قواتنا المسلحة التي تستطيع فصل الجزء الشمالي عن الجزء الجنوبي من إسرائيل، و كان في هذه المقالات يكتب بروح الفنان عما يتمناه و يأمل فيه و يحلق بخياله بعيداً عن أرض الواقع الذي للأسف كان بعيداً عنه حين ذاك ،و لم يعرف أن قواتنا المسلحة في هذه الأحيان غارقة في مشاكل جانبية أبعدتها عن مهمتها الأساسية و لذلك كانت صدمة جمال حمدان في منتهى العنف حين إستيقظ علي هزيمة 67 فوجد جيشنا يتقهقر في صحراء سيناء بعضه يموت من العطش ،و بعضه يتوه في دروبها الثعبانية ،و البعض الآخر يسقط في أيدي الجنود الإسرائيليين أو في أيدي الإحباط و الانكسار ،و زادت عزلة الراهب، و راح جمال حمدان يلملم أوراقه و يعيد ترتيبها، و يتساءل هل تمتلك مصر بالفعل مقومات النصر؟ هل في مقدور الإنسان المصري أن يكسر دائرة الإحباط الجهنمية ليبعث من جديد مقاتلاً شرساً قادراً علي كسب معركة المصير؟؟؟، و جاءت الإجابة بنعم وأتي نصر أكتوبر ليؤكد صدق حدسه و جدوي بحثه ليتشجع و يكتب كتابه التالي علي نصر أكتوبر و أهميته الإستراتيجية .

و ظل جمال حمدان عاكفاً طوال هذه الفترة علي بحثه يواصل الليل بالنهار لدرجة أنه كان يصل في بعض الأحيان إلي 18 ساعة يومياً من العمل المتواصل، و المدهش أنه كتب قصيدة العشق الملحمية هذه و هو محروم من المعاش الذي حرم منه بسبب الروتين الغبي الذي تسمح لوائحه بالمعاش لمن قضي عشر سنوات فأكثر في الجامعة، و كان المذكور أعلاه بلغه أوراق شئون العاملين لم يقضي هذه المدة المذكورة أعلاه ،و الأكثر إدهاشاً أن جمال حمدان خاصم أحمد بهاء الدين حين طالب الدولة بمعاش استثنائي له، و كأنه كان مصراً علي استكمال ملحمته من لحمه الحي، و يقتات بالكفاف حتى لا يضطر ليكتب غير ما يقتنع به إرضاء لسلطة ما أو تملقًا لجهة مهما كانت هذه الجهة، و كما تمرد علي نظام المؤسسة تمرد أيضاً علي نظام التدجين الثقافي و رفض التعيين وقتها في أي جهة صحفية أو أي مجالس تابعة لوزارة الثقافة حتى لا يضطر إلي أن يصبح دجاجة ضعيفة الذاكرة تبيض بالأمر لتفقس بعدها كتاكيت النفاق و المجاملة لمن يمنحه المرتب الشهري فقرر أن يصبح موظفاً في مؤسسة جمال حمدان للإبداع !!

و كان اكتشافه الأول هو اكتشافه لمعادلة قوة مصر التي تتلخص في الموضع و الموقع،ال site وال situation وبينهما فرق كبير فالموضع الذي هو خصائص و بيئة و موارد داخلية لا يتناسب ولا يتكافأ مع خطورة الموقع و حين يزدهر الموضع تتم حماية الموقع و هذا مدخل لتفسير تاريخ مصر عبر القرون المتتالية ، و تحدث جمال حمدان عن تجانس مصر ووحدتها التي أدت بالتالي إلي مركزيتها و كانت هذه المركزية هي سر أمراض مصر المزمنة.

و لكن هل أدي هذا التوحد و هذا التجانس لانكفاء مصر علي ذاتها يجيب د. حمدان علي هذا بالنفي، و يقول أن مصر محكوم عليها بالعروبة والزعامة أيضاً، و لنقرأ ماذا قال في هذه النقطة" مصر بالحجم و الموقع هي الرأس و القلب و ضابط الإيقاع إنها في العالم العربي كالقاهرة في مصر نفسها، أما العرب أكثر منها ابنتهم، إنها مرآة العالم العربي لا ظله و مرآة مكبرة بالتحديد فيها يستطيع أن يري مستقبله" .

ولا أستطيع و أنا أقرأ هذا التحليل المبهر و هذه النظرة الثاقبة أن أقول أن جمال حمدان كان يعيش في برج عاجي بل الأصح أن أقول أنه كان يعيش في مرصد يراقب منه مصر بنظرة طائر محمي من الانغماس في نظرة الزووم لتفاصيل الحياة التي من الممكن أن تحيد بنظرته عن الهدف الأساسي ، فلنقل قد حول هذا البيت المتواضع إلي معمل تحاليل لأنسجة و دماء ووظائف و شخصية هذا الوطن ،و لحسن هذا الحظ كانت هذه التحاليل من الدقة و الموسوعية بحيث تعددت تقاريرها الثلاثة ألف تقرير و هو عدد صفحات شخصية مصر، و كانت أهم توصيات هذه التقارير هي ألا نجعل سيناء تضيع منا ،فمن يسيطر علي سيناء يسيطر علي مصر، و إذ كان حمدان إهتم بالصحراء بكلامه عن سيناء فإنه لم ينسي القرية المصرية التي قال عنها" القرية المصرية وصمة في جبين مصر و هي التحدي الحقيقي في مصر و لن تتغير مصر و تتطور جذرياً إلا إذا تم هز الريف المصري بجسمه الثقيل و لن يتغير وجه مصر تحت الجلد ما لم تتغير القرية المصرية حتى النخاع و لن تصبح مصر دولة متقدمة لا نامية إلا يوم تهدم آخر قرية مبنية باللبن" .

و من جغرافيا الأرض إلي جغرافيا البشر و تحويل جمال حمدان عالم الجغرافيا إلي عجينة من رائحة الناس و سلوكياتهم ،ننتقل معه إلي الحديث عن الشخصية المصرية و سماتها و سلبيتها، وكالطبيب الجراح الماهر يضع يده علي مكان الورم الخبيث في جسد هذه الشخصية و يقول إن معظم سلبيات و عيوب الشخصية المصرية إنما يعود أساسا إلي القهر السياسي الذي تعرضت له ببشاعة وشناعة طوال التاريخ، هذه ولا سواها نقطة الابتداء و الانتهاء مثلما هي نقطة الاتفاق و الالتقاء، السلطة، الحكم ، النظام، الطغيان، الاستبداد، الديكتاتورية ، البطش ، التعذيب ، التنكيل ، الإرهاب ، الترويع، التخويف، تلك هي الآفة الأم و أم المأساة،و من هنا يجمع الكل علي أن النغمة الأساسية أو اللحن الخفي المستمر وراء الشخصية المصرية في علاقتها بالسلطة ومفتاح هذه العلاقة التعسة هو العداء المتبادل و الريبة المتبادلة ، هي الحب المفقود و البغض الموجود بلا حدود " ثم يهاجم ما يسمي بسماحة المجتمع التي تسمح للرجل المتوسط فقط بأن يصل و تضيق بالرجل الممتاز و يصبح شعارها هو " شرط النجاح في مصر أن تكون إتباعيا لا إبتداعياً".

ولجمال حمدان أسلوب أدبي يقترب من روح الشعر ،و مقولات هي أقرب للحكم و الأمثال منها إلي النثر و الكتابة الأكاديمية ،و يصك حمدان تعبيرات أؤكد أنها ستجري مجري أبيات الشعر المحفوظة للمتنبي و شوقي و غيرهم من فطاحل الشعراء، و هذه التعبيرات المصكوكة صنعت في معمل جمال حمدان " مصر في النهاية ليست شعباً له حكومة بقدر ما هي حكومة لها شعب"،... " كانت مصر الطبيعية حديقة لا غابة، و كانت علي العكس بشرياً غابة لا حديقة، و إن كانت زراعياً مزرعة لا مرعي، فقد كانت سياسياً مرعي لا مزرعة""،.... "الديمقراطية لا تمنح بل تنتزع"،.... " مصر سيدة الوسط الذهبي "،...." مصر كانت تمصر كل جديد تهضمه و تمثله و تفرزه كائناً مصرياً جديداً"..الخ

إنه متفرد حتى في صياغته اللغوية، كان هذا المتفرد جمال حمدان ضحية تفرده و تمسكه بعملة منقرضة لفظها هذا الزمان إسمها الكرامة ظل محتفظاً بها في صومعته كأهل الكهف و لكنه للأسف لم يخرج مثلهم ليعرف أن هذه العملة قد إندثرت في هذا الزمان و لذلك خرج من كهفه محروقاً بنار اللامبالاة قبل أن يحرق بنار أنبوبة البوتاجاز!!

 

اعز الناس وبس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

 

قديم 28-11-2009, 03:28 PM   #3 (permalink)
عضو مزيكاوي
 
الصورة الرمزية اعز الناس وبس
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: فى الركن البعيد الهادى
العمر: 23
المشاركات: 2,267
افتراضي

 


يغرينا حادث وفاة د. جمال حمدان بطرح تساؤلات واحتمالات في محاولة لمعرفة سر وفاته الحقيقية في البداية عثر على جثته والنصف الاسفل منها محروقا واعتقد الجميع ان د.حمدان مات متأثراً بالحروق ولكن د.يوسف الجندي مفتش الصحة بالجيزة اثبت في تقريره ان الفقيد لم يمت مختنقاً بالغاز كما ان الحروق ليست سبباً في وفاته لانها لم تصل لدرجة احداث الوفاة.
يرجح الطبيب ان تكون الوفاة بسبب صدمة عصبية ولكن الناقد فاروق عبد القادر لفت نظرنا الى سؤال في غاية الاهمية وهو هل يموت الشخص الذي يمارس اليوجا يومياً وعلمياً بصدمة عصبية؟ سؤال اجابته بالنفي وهواشبه بسؤال هل يموت بطل السباحة غرقاً في احد حمامات السباحة الصغيرة؟ واعني ان مشهد الحريق البسيط ويبدو هذا واضحاً من آثار الحريق على جدران الشقة لا يسبب صدمة عصبية لشخص عادي فما بالك بشخص يمارس اليوجا بانتظام ليقهر رغبات الجسد خاصة وانه اختار العزلة في آخر سنوات عمره. قالوا ان انبوبة الغاز انفجرت فيه بعد ان اذابت النيران خرطوم الانبوبة لكن عثر على انبوبة الغاز في حالة سليمة
بل وخرطومها ايضاً في حالة سليمة للغاية.

قالوا ان النيران امسكت به عند قيامه باعداد الطعام لنفسه لكن ثبت في التحقيقات ان د.حمدان ارسل بواب العمارة قبل الحادث بساعة ليحضر له بعض الاطعمة ليقوم هو بتجهيزها من ناحية اخرى نفهم ان البواب المسئول ضمنيا عن حراسة العمارة لم يكن موجوداً في موقعه عند وقوع الحادث مما يسهل مهمة دخول وخروج
اي شخص غريب.

ولإضفاء المزيد من الغموض اكتشف المقربون من د.حمدان اختفاء مسودات بعض الكتب التي كان بصدد الانتهاء من تأليفها وعلى رأسها كتابة «اليهودية والصهيونية» مع العلم ان النار التي اندلعت في الشقة لم تصل لكتب واوراق د.حمدان مما يعني اختفاء هذه المسودات بفعل فاعل. سؤال آخر نطرحه وهو بديهي للغاية.. المنطقي عندما يواجهنا حريق في الشقة أن نسارع بالهرب خارجاً والسؤال هنا هو الم يحاول د.حمدان الهروب من النيران ام ان هناك شيئا اعاقة ومنع هروبه مما افضى لوفاته؟ معلومة اخرى وهي انه لا يوجد من شعر برائحة الغاز قبل رائحة «الشياط» والمنطقي ان تزكم الانوف برائحة الغاز طالما ان تسرب الغاز كان سببا للحريق

 

اعز الناس وبس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

 

قديم 04-02-2010, 12:41 PM   #4 (permalink)
عضو مزيكاوي
 
الصورة الرمزية اعز الناس وبس
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: فى الركن البعيد الهادى
العمر: 23
المشاركات: 2,267
افتراضي

 


٤/ ٢/ ٢٠١٠

فى ذكرى ميلاد عبقرى العصر


وصف مصر بدفء كلماته.. سحرنا بجمالها وبهرنا بدلالها، فجاء كتابه «شخصية مصر» من أجمل الكتب وأروع الكلمات.. حكى حكاية الإنسان وتغير أحواله ونمط حياته استناداً إلى أن الجغرافيا إذا عرفتها عرفت كل شىء عن نمط الحياة فى هذا المكان أو ذاك- إنه عبقرى العصر الحديث جمال محمود صالح حمدان المولود فى ٤ فبراير ١٩٢٨ بإحدى قرى محافظة القليوبية، والذى تخرج فى كلية الآداب قسم جغرافيا جامعة القاهرة عام ١٩٤٨ وتم تعيينه معيداً فيها..

حصل على الدكتوراه عام ١٩٥٣ من جامعة ريدنج بلندن عن سكان وسط الدلتا قديماً.. قدم استقالته عام ١٩٦٣ متفرغا للبحث والتأليف وحصل على عديد من الجوائز.. فى عام ١٩٨٨ حصل على وسام العلوم من الطبقة الأولى عن كتابه شخصية مصر.. إثر حادث غريب أليم عام ١٩٩٣ انتقل إلى جوار ربه!!

كان أدق تعبير له عن علم الجغرافيا فى كتاب شخصية مصر أن للجغرافيا نهجاً فلسفياً متنافراً يتأرجح بين علم وفن وفلسفة علم بمادتها، وفن بمعالجتها، وفلسفة.. بنظراتها.. فى «وصف مصر» تحدث عن العلاقة بين الإنسان المصرى والطبيعية والنيل، هذه العلاقة أدت إلى صياغة الحضارة المصرية..

فى كتابه «اليهود أنثروبولوجيا» الذى أصدره عام ١٩٦٧ أثبت أن اليهود المعاصرين الذين يدعون أنهم ينتمون إلى فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد!! وقد ترك جمال حمدان ٢٩ كتابا و٧٩ بحثاً ومقالة، يأتى فى مقدمتها كتاب «شخصية مصر دراسة فى عبقرية المكان»» رحمك الله يامن تركت لنا تراثاً كبيراً علمياً وجغرافيا وأدبياً..

 

اعز الناس وبس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

 

قديم 10-02-2010, 11:27 AM   #5 (permalink)
عضو مزيكاوي
 
الصورة الرمزية اعز الناس وبس
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
الدولة: فى الركن البعيد الهادى
العمر: 23
المشاركات: 2,267
افتراضي

 




في 4 فبراير الماضي كانت ذكري ميلاده الثاني والثمانين.. لكنه توفي قبلها بسبعة عشر عاماً «1993م».. مذهلاً مندهشاً وحيداً بعيداً.. ليس في أقصي المدينة بل في قلبها «25 ش أمين الرافعي/الدقي».. حادث الموت في حد ذاته يدعو للانزعاج والدهشة.. وهي الصفة التي تصاحبك دائما وأنت تطالع أفكار وكتابات جمال حمدان «29 كتاباً و79 بحثا ومقالة» فحسب الروايات أنه توفي إثر حريق نتج عن انفجار أنبوب البوتاجاز.. حدث هذا في شقة شديدة البساطة والمفروشات وبها عدد من المخارج.. والنار حتي تشتعل تأخذ وقتاً يسمح بفتح باب في أقل تقدير.. لكن المسألة كلها انتهت ولم يبحث أحد في تفاصيلها ذلك أن حالة «انحلال المعايير» كانت قد توسعت في طول وعرض وعموم مصر علي حد وصفه هو لمصر ما بعد 1967م وهو الحدث الذي هزه هزاً عنيفاً رغم أنه تنبأ بتلك الهزيمة عام 1965م في مقال بعنوان « هل تمتلك إسرائيل سلاحاً نووياً».. وهو علي أي حال كان قد لامس علي المستوي الشخصي البدايات الأولي لانحلال المعايير ذلك أنه كان قد لمع وتلألأ بعد ثلاثة كتب «جغرافيا المدن» و«المظاهر الجغرافية لمجموعة مدينة الخرطوم»، «المدينة المثلثة» ونال جائزة الدولة التشجيعية 1959م وكانت الجامعة في ذلك الوقت قد بدأت مشوار الخروج من قائمة أفضل جامعة الذي تشهده الآن إذ كان الأمني والسياسي قد تغلغل فيها «علي حد وصف الراحل عبد العظيم أنيس».. بعد أن اشتهر ولمع اسمه ثم تخطيه في الترقية لوظيفة أستاذ «1963م».. فقرر الاستقالة.. والاستقالة لم تكن - في رأيي -لهذا الموقف بل كانت ليقينه أن هذه الأيام ليست أيامه وما أصعب وأقسي أن تعيش وجها لوجه مع من تكره.. وما كان لمثله أن يكون أستاذاً جامعياً يقف أمام طلابه وهو يري مصر تتجه بخطي متسارعة نحو «الانحلال العظيم» فآثر الاستقالة من الحياة التقليدية بأسرها وإلا ما عاش هذه المعيشة.. ولا سكن هذا المسكن.. لم يصدق أ. هيكل أن هناك بشرا ممكن أن يسكن في مكان هكذا.. ذلك أنه قد زاره هو وأ. مصطفي نبيل - رئيس تحرير الهلال الأسبق - وبعد محاولات مضنية من طرق علي الباب وعلي شبابيك «المنور» فتح لهما فهو لم يعتد استقبال زيارات مفاجئة.. أ.هيكل بطبيعته اعتاد علي الرحيق المصفي من كل شيء ملبس ومأكل ومسكن.. فلم يستطع تصور أن من أنتج « شخصية مصر» يسكن في هذا المسكن.. كان أمامه العديد من الفرص العظيمة للعمل المعزز المكرم في الجامعات العربية وكان زملاؤه وتلاميذه الذين يعرفون قدره قد وطدوا لأنفسهم أماكن وطيدة.. لكنه بالفعل كان قد قرر الاستقالة من الحياة التقليدية «وما أنا منكم بالعيش فيكم.. لكن معدن الذهب الرغام» ففضل رغام الحياة علي العيش الكذوب فما مثل جمال حمدان يستطيع إغماض عينيه عن الحقيقة.

كان يعتبر أن الصهيونية والتمزق العربي وضعف العالم الإسلامي وفقدان العدل الاجتماعي والطغيان السياسي ذلك كله ألد أعداء مصر وكانت قضية فلسطين هي قضيته الأولي وشغله الشاغل وصرح بأن الكارثة التي تعرضت لها فلسطين علي يد الصهيونية هي سابقة ليس لها مثيل قط في تاريخ العالم الحديث ولا العالم الإسلامي ولا العالم الثالث، وكان يري أن الخطر لا يستهدف الأرض المقدسة في فلسطين فقط، وأن التهديد لا يقتصر علي العالم العربي وحده وإنما يمتد إلي العالم الإسلامي كله، وكان دائم التذكير بأن «الصهيونية اليوم هي أكبر خطر يواجه العالم العربي وأن تحرير فلسطين هو وحدة العالم الإسلامي السياسية وأن وحدة العالم الإسلامي إنما هي فلسطين».

في كتابه «انثربولوجيا اليهود» أثبت أن اليهود المعاصرين الذين يدعون أنهم ينتمون إلي فلسطين ليسوا هم أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين وإنما ينتمون إلي إحدي القبائل التتارية التي عاشت بين «بحر قزوين» و«البحر الأسود» واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي.. وهو ما أكده أيضا العلامة د. عبد الوهاب المسيري في موسوعته الشهيرة.

في كتابه «استراتيجية الاستعمار والتحرير» سنة 1968م تنبأ بانهيار الشيوعية والمعسكر الشرقي وهو ما حدث بالفعل بعد 21 سنة من عام 1975 -1984 تفرغ تماما لعمله العظيم «شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان» وتناول فيه خصائص الشخصية المصرية وعلاقة تلك الخصائص بجغرافية مصر ونيلها العظيم.

لم يسعد كثيرا بظاهرة التدين الشكلي التي سادت البلاد في السبعينيات، ووصف التطرف بأنه وباء يصيب العالم الإسلامي في فترات الضعف السياسي أمام العدو الخارجي وهو نوع من التشنج بسبب العجز عن المقاومة ويتهم الغرب الاستعماري بأنه «أكثر من أراد توظيف التطرف سياسيا بهدف الهيمنة علي العالم الإسلامي واستغلاله وتسخيره لأغراضه الإمبريالية العليا واستراتيجيته الكوكبية العدوانية» وهو ما حدث بالفعل نصا وفصا.

كان طبيعيا أن تحاول الدولة في الثمانينيات التقرب إليه.. فمنحته جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية 1986م لكنه ردها إلي راسلها.. وكذلك وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي أيضا رفضه ورده إلي مرسله وقبل جائزة التقدم العلمي 1992م من الكويت.. رحم الله جمال حمدان.

ويا وطني سرت إليك في طلب المعالي.. وسار سواي في طلب المعاش.


 

اعز الناس وبس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

 

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مصــر, حمدان, جمــــال, شخصيـــة

الشخصيات التاريخية


Ads


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

Missing Plug-in  . جهاز الكمبيوتر الخاص بك لا يحتوى برنامج مشاهدة الافلام بجوده عاليه HD
X
 

Rss  Rss 2.0  Html  Xml  Sitemap 


الساعة الآن 03:09 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. ,
Search Engine Optimization by vBSEO 3.5.2 Designed & TranZ By Almuhajir

Security & upgrade & support by LameyHost

Security team



 
 
Bookmark and Share

افلام عربى | افلام اجنبى | اغانى | كليبات | لقاءات | عروض المصارعه | مسلسلات | مسرحيات | العاب | برامج | موبيل | رياضه 

العاب فلاش - العاب بنات - العاب سيارات - العاب اكشن

ألعاب المغامرات | أكشن وقتال | العاب عربيه | الذكاء والألغاز | العاب اطفال | العاب ورق | ألعاب الفتيات | ألعاب ثقافية | العاب رياضية | العاب سيارات

جميع المشاركات والمواضيع في منتدى لا تعبر عن رأي إدارته بل تمثل وجهة نظر كاتبها


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187